Stereotyping (التنميط)

أولاً: تاريخ النمطية

في عامِ 1798م فكّر النحّات الفرنسي فيرمين ديدوت بالقيام بنسخِ لوحٍ طوبجرافي يحتوي و تعني Sterotype على كتابات معيّنة على لوحٍ ثانٍ و فورَ إنهائِهِ النسخ سمّى النُسخة
نُسخة طبقَ الأصل و بقي البشرُ يستخدمون هذه الكلمة في الطباعة والنحت حتى عام 1850م

للكاتب الأمريكي Public Opinion في عامِ 1922م تم استخدام هذه الكلمة في كتابِ
والتر ليبمان الذي يتحدّث عن فكرةِ أنَّ العالمَ بالنسبة للإنسان هو شيءٌ معقّدٌ و كبيرٌ جداً و لا يستطيع عقله القاصرُ تحليله بشكلٍ كامل و حتى يعيش الإنسان بسلامٍ في بيئته المحيطة تجعل الإنسان Pseudo-environmentيخترع عقله بيئة وهمية له أو ما يُعرف بِالـ
يعيشُ الحياة حسب ما يُريهِا إياها عقلُه الخاص و الذي هو بالضرورة مختلفٌ عن عقول الآخرين. أي أننا جميعاً نعيشُ في العالمِ ذاته لكنَّ كُلَّاً مِنَّا يراهُ بطريقةٍ مختلفة تعتمدُ على تحليل عقله للبيئة المحيطة بطريقة تجعلهُ يشعرُ بالأمان الذهني

ثانياً: النمطية في علمِ النفس

في عامِ 1933م نشرَ عالمان كاتز و برالي دراسةً مفادُها أنَّ تقسيمَ البشر إلى مجموعاتٍ بالاعتماد على شيءٍ مُشتركٍ مُعيّن (الجنس، العِرق، اللون، الأصل، الألوان المفضلة، النادي الرياضي الذي يُفضلونه … إلخ) ثم جعلناهم يتناقشون نقاشاً أخوياً فيعرضُ كُلٌّ منهم أفكاره للآخر سينشأُ شعورُ كُرهٍ داخلي في كلِّ مجموعة لأفراد المجموعة الأُخرى لمجرّد أنّهم يختلفون عنهم

و بعدها تطوّر مفهوم النمطية و أصبح أكثر منطقيةً بحسبِ الفترةِ التي يعيشها البشر فنشأت الشعوب والأحزاب و الأفرقة و أصبحَ الشعور بالكُرهِ شيئاً شبهَ فطريٍ في الإنسان لأيِّ إنسانِ لا يُشبهُ النمطَ الذي يعيشُ هو فيه و قالَ بعضُ العلماء أيضاً أنَّ الشعورَ بالكره للآخر يكونُ فقط في حالةِ وجودِ منافسةٍ بينهما (كالمنافسة على كأسٍ معين أو إنجازٍ علميٍ أو أدبي .. إلخ

ثالثاً: تطوّر مفهوم النمطية و توسّع استخدامه

في عامِ 2002م نُشرت دراسة تقولُ أنَّ النمطية شيءٌ مفيدٌ لصحة الإنسان العقلية، حيثُ أنَّ العقلَ يقسّم الأشياء والبشر من حوله إلى مجموعات معيّنة و يتعامل معها حسب شعوره الداخلي و خبراته السابقة مع أشياء أو بشر يقعون في نفس المجموعة و بالتالي يُصبحُ الإنسانُ آمناً في أي محيطٍ يدخله و يُصبحُ المحيطُ منطقياً بالنسبة له و شعورهُ بالأمان يجعله قادراً على الإنجازِ بشكلٍ أكبر و تركيز الطاقة بشكلٍ مُكثّفٍ عظيم

رابعاً: التطوّر البشري للتنميط

التي يصنعها عقله و يعيش معها بسلامٍ Comfort zoneيمكن للإنسان الاكتفاء بهذه الـ
داخلي، لكن للأسف البيئة المحيطة -مهما كانت ملائكيتها- يستحيل أن تتركه و شأنه و ستحاول جاهدةً استفزازهُ بشكلٍ دائمٍ و مستمر حتى تُجبره أن يخرجَ عن الأنماط السابقة و تجعلهُ يُكوُن أنماط جديدة حتى يتمكن من التعايش مرة أُخرى مع ما يطرأ من تغيُّرات من حوله فتزيدُ الأنماط في عقل الإنسان كلَّ ما توسّعت مداركُهُ و تغيرت بيئتُهُ المحيطة و في حال هذه الأنماط الجديدة ولّدت عنده شعور تجاه الأشياء أو الأشخاص (أي أصبح يُحب مجموعات أو أشخاص لأسباب معينة و يكره آخرين) فإنَّ هذا التنميط يُصبحُ تحاملاً! و في حال تطور الشعور لدي إلى تصرّف (كأن يضرب من يخالف أو يسبه -مثلاً- ) فإنَّ هذا التحامل يُصبح عنصرية

و بالتالي، إنَّ الإنسانَ الذي يعيش في بيئةٍ مُعينة بأنماطهِ الخاصة دون أن يسبب أي أذى لشيء ولا لأحد فإنّ التنميط هو تصرفٌ دماغيٌ صحيٌّ و مفيدٌ له و لمحيطه الذي يعيش فيه

خامساً: التنميط في عصرنا الحالي

بسبب العولمة و الانفتاحِ الكبير الذي يعيشه البشر في العصر الحديث من شبكة عنكبوتية و مسلسلات و أفلام و غيرها أصبح الكثير من البشر يُكوّنون أنماطهم الخاصة تجاه الاشياء التي ليس لهم الحق بالحديث عنها ولا هي من صلاحياتهم و أصبحوا -بكلِّ ثقةٍ- يتكلمون عنها و كأنّها تخصُّهم هم وحدهم فقط غير مدركين كمية الإساءة و الجرح الداخلي التي يُسببونهما للغير و سأذكرُ بعض الأمثلة على ذلك من واقعنا الذي نعيش فيه

أ. نمطية الجمال
يرى بعض البشر بأنَّ الجمال لا يتحقق إلّا إذا كان كما يرونه هم وحدهم فقط. فمثلاً لا بد أن تكون الشفاه بشكل و حجم و رسمة معينين و كذا الجسم يجب أن يكون و كذا العيون. و أيُّ شيءٍ لا يُشبهُ هذه الصورة النمطية في دماغهم فهو غير جميل

ب. نمطية الفهم
يرى بعض البشر أنَّ الفهم يُقاسُ بالمال أو الجاه أو المناصب أو الشهادة أو امتلاك البيت الكبير و كلُّ ما لا يُشبه ذلك ليس كذلك

ج. نمطية التواصل الاجتماعي
يرى بعض البشر أنَّ عليه أن يفعل بعض الأمور المعينة حتى يُعجب العدد الهائل من الناس الموجود على مواقع التواصل الاجتماعي و يحاول بكل طاقته و ما يملك أن يسير على نمطٍ معيّن سار عليه بعض الناس من المشهورين حتى يُصبح مشهوراً. ويعتقد -جاهلاً- بأنَّ عقل الإنسان الطبيعي يستطيع التعامل مع هذا الكم الهائل من البشر الموجودين عبر الشبكة مِن مَن لا يعرفهم أصلاً، إذ يصعُبُ على الإنسان التواصل مع آلاف البشر و التأثير عليهم

و إذا ظهر نمطٌ لم يعجب أحدهم أو لم يتناسب مع أنماطه الخاصة تراه يشتم و يؤذي بشكل قاسٍ جدَّاً دون هدفٍ أو غاية (كالدفاع عن دينٍ أو معتقد راسخ ثابت و له أدلّة دامغة) إنما فقط لفترة قصيرة Trend من أجل إثارة الجدل و إضحاك الخلق بحُجّة أنَّ الأمر مجرد

سادساً: التوقُّف عن التمنيط

نشأت الكثيرُ من الحركات و الفعاليات لمحاربة رسم الصور النمطية للأشياء والأشخاص و كُلُّها باءت بالفشل لأنه و بكل بساطة لا يمكن للإنسان العيش دون وضع صورٍ نمطية معينة للحياة -تقريباً في كل شيء- و إنشاء الأنماط داخل عقل الإنسان يتم بصورة لا إرادية و لا يستطيع الإنسانُ التحُّكم بها و إنما يستطيع الإنسان التحكم في أمرين وهما، أولاً تولُّد مشاعره تجاه الأشياء والأشخاص قبل تضخُّمها بداخله لأنها متى ما تضخّمت يصعُبُ التحكم بها، ثانياً تصرفاته و أفعاله تجاه الأشياء والأشخاص بهدف حماية نفسه و بيئته من غريزة البقاء الحيوانية التي يتمتلكها

قال الله تعالى في الآيتين 118 و 119 من سورة هود (ولو شاء ربك لجعل الناس أُمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين <118> إلّا من رحمَ ربُكُ ولذلك خلقهم و تمَّت كلمةُ ربكَ لأملأنَّ جهنَّم من الجِنَّةِ والناسِ أجمعين <119>). بالتالي، فالاختلافُ أساسُ الحياة و تقبُّلُ الآخر و احترامُ اختلافه من أساسيات كونك إنساناً ذا عقلٍ رزين يُعمله. وعندما يُخطئ أحدهم – و كلُّنا نُخطئ دون أيِّ استثناء- يجب عليك أن تحاول تصحيح خطأه و الدفاع عن الحق بطريقة منطقية و كذلك عليك أن تحاول جاهداً الاقتناع عندما يحاول أحدهم إظهار الحق لك و عندها فقط قد تعيش البشرية بأقل كمية حروب ممكنة

© Butterflyeffect.club , All Rights Reserved

شكراً لقراءتك ^^

Published by Butterfly Effect

بينَ الشعرِ والنَثرِ أُدوّن

One thought on “Stereotyping (التنميط)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s