العنصرية

أولاً: تاریخ العنصریة

عندما خلقَ اللهُ السماواتِ والأرض ثم جعلَ الملائكةَ من نورٍ والجنَّ من نارٍ و سِوى ذلكَ من طينٍ ثم خلقَ آدم عليه السلام و أمرَ الملائكة وإبليس بالسجود له ظهرَ أوّلُ عنصريٍ في تاريخ الكون حيثُ رفضَ إبليسُ السجودَ لآدم عليه السلام و ذكر سبب ذلك كما ورد في سورة الآية 12 من سورة الأعراف (قالَ أنا خيرٌ منهُ خلقتني من نارٍ و خلقته من طين) وهُنا نُلاحظُ أنَّ العنصرية كانت في بداية الخليقة قائمةً على أساس الاختلاف في المادة المُكوّنة لجسدِ المخلوق

ثم بعد إبعادِ آدم و حواء من الجنّة و لدت حواءُ قابيلَ و أُخته ثمَّ هابيلُ و أُخته و في القصة المعروفة قامَ قابيلُ بقتلِ هابيلَ لأنَّ الله تقبّل قربانَ هايبل ولم يتقبّل من قابيل فصارت هُنا العنصرية بين أبناء الجنس الواحد المخلوقين من المادة نفسها وهي الطين و كان سببها الحسد و عدم قدرة هذا الكائن بتقبّل فكرة تفوّق غيره عليه

ثمَّ تناسلَ الناسُ و انتشروا في الأرض و بعثَ الله من أبناءِ آدمَ عليه السلام أنبياءَ يُذكّرون البشرَ بالله و بعبادته منهم من نعرفهُ ومنهم من لا نعرفه و صارَ البشرُ بعدها يعدونَ في الأرضِ ويحكمُ القويُ منهم الضعيفَ و إذا لم يكن هناك انصياعٌ من الضعيفِ يقومُ بقتله متذرّعاً بأبيه قابيل و يجدرُ بي هُنا أن أُشيرَ أنَّنا لسنا جميعاً من نسلِ قابيل فهناكَ ولدٌ ثالثٌ لآدم عليه السلام وهو شيثٌ عليه السلام و هو ثاني نبيٍّ للبشرية و قد يكونُ الكثيرُ منَّا من أبنائه

بعدها قررَ البشرُ بناء المجتمعاتِ والدول فصارت كُلُّ جماعةٍ من البشر الذين يحملون نفس المعتقداتِ والطبائع والقوى والأهداف يسكنون مع بعضهم في رقعة محددة و يضعون لها قواعدَ و أُسساً معينة و تطورت مع مرور الزمن لتُسمّى دولة أو وطناً

و نُلاحظُ هنا أنَّ مفهومَ العنصرية تطورَ ليصبحَ على أساسِ القوةِ والضعف بين أبناء الجنس الواحد ذوي مادة التكوين الواحدة وهي الطين

وقد بقي البشرُ يسيرون على مبدأ القوة والضعف هذا لسنواتٍ عديدة و الأزمنة مديدة حتى اعتادت نفوسهم على الهوان من المخلوق الذي هو من نفس المادة لكنَّه أقوى منهم و قد تُدركُ لو أمعنتَ النظرَ في التاريخ البشري أنَّ أغلبَ أتباعِ الأنبياء والرُسلِ كانوا من الضعفاء -خصوصاً في بداية الدعوة- لأنَّ البشر بفطرتهم يرفضونَ الانصياع لأي شيءِ مساوٍ لهم في مادة الخلق والتكوين و مراحل التشكيل فيؤمنون بالله الذي هو مختلفٌ عنهم و أقوى منهم بالضرورة لعله يخلّصهم من بطش الأقوياءِ من البشر

ثمَّ صارت الحياة على الأرض تتطور و يكثر عدد البشر فيها و يتوزعون على رقعة جغرافية أوسع، و بناءً على اختلافِ البيئة و الطبيعة المحيطة أصبحَ هناكَ اختلافٌ في لون الجسد و شكله و طوله و عرضه و أسلوب التفكير والتصرفات و غيرها و كلُّ هذا نتج عن البيئات المختلفة حسب ما يقول العلمُ الطبيُّ الحديثُ

وفي حديثِ أرسطو -الفيلسوف الإغريقي- عن العبودية كان يعتقد أنَّ ساكني الإغريق (اليونان القديمة) همُّ السادة بطبيعتهم وما عداهم عبيدٌ بطبيعتهم و أنَّ القوة تكمنُ في الروحِ لا في الجسدِ و على الإنسانِ أن ينصاعَ لمن هو أقوى منهُ روحياً ومن الإغريق نشأت فكرة العبودية و انتشرت في كلِّ بقاعِ العالمِ -بما فيها المنطقة العربية والإسلامية- و صارت تجارةُ الرقيقِ والعبيد أمراً اعتادَ البشرُ على رؤيته و فعله في كُلِّ أسقاعِ الأرض و كانَ الفقرُ والجوعُ هو سبب ضعفِ الروحِ القتاليةِ عند بعضِ البشرِ وهذا ما سمحَ لغيرهم باستعبادهم و الإتِّجارِ بهم في أسواقٍ تُعرفُ بأسواقِ النخاسة

وقد كانت الدياناتُ -التي من المفترض أن تكون دستوراً يتعامل به الناس- تُحاربُ العنصرية و تؤكِّدُ على حرمتها و تؤكّد على أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ مُصانُ ولهُ حقوقه في العيش الكريم وأنَّ على الجميعِ احترامَ كرامةِ الجميع. ولمّا كانَ الإنسانُ لا يؤمنُ بما لا يراهُ مادياً أمامهُ بسهولة أصبحَ الالتزامُ بالتعاليم السماوية أقلَّ مع مرورِ الزمن

و في كتابِ العبر و ديوانِ المبتدأ والخبر في أيامِ العربِ والعجمِ والبربر ومن عاصرهم من ذوي السطانِ الأكبر ذكرَ المؤرّخُ التونسيُّ المسلمُ ابن خلدون أنَّ المناطق التي يعيش فيها البشر بعد غرب أفريقيا و إلى الجنوب منهم لا يوجد فيها حضاراتٌ ولا منطقٌ في التصرفاتِ وهم يعيشون في الكهوفِ والثكناتِ ولا يأكلونَ سوى الحشائش والحبوبِ غيرِ المُحضّرة و قد يصل بهم الحال على سُكّانِ Negro أن يأكلوا بعضهم بعضاً و بالتالي یُعتبرون -حسب ذلك الزمان- مُنصاعین للعبودیة بطبیعتهم و ظهرت لفظة
هذه المناطق من ذوي البشرة السوداء

و بعد سقوط الأندلس ظهرت الطبقات الاجتماعیة و أهمها طبقة النبلاء أو ذوي الدم الأزرق (إذ كانت تظهر عروقهم الزرقاء بسبب شدة بیاض بشرتهم) و كانت هذه الطبقة هي الطبقة الحاكمة و كانَ أيُّ شخصٍ ذو بشرةٍ مختلفة ممنوعاً من الحكم و قد سُمّوا بالنبلاءِ لأنَّ دمهم نقيٌ بحكمِ أنَّهم نصارى أباً عن جِدٍ

و بحكم القوة قامت طبقة النبلاء بتخيير اليهودِ و المسلمین في الأندلس بين تحويل دیانتهم للنصرانیة أو نفیهم أو قتلهم و نشأت محاكم التفتیش في القرنین 15 و 16 و انتشرت في البرتغالِ و فرنسا و قد منعت البشر من استخدامِ عقولهم و قد حاربت كلَّ من يفعل ذلك أو يُشجّع عليه و كانت مُهمّتها معاقبة كلِّ من يخالفُ الكنيسة و هذا ما جعل أوروبا تدخل في ما يُعرف بالعصور المظلمة و يُذكرُ أنَّها قامت باعدامِ 3000 شخصٍ قبل أن يتمَّ إغلاقُها عام 1834م

و كعادةِ فطرة البشر لم يستطيعوا تحمّل التسلط من بني جنسهم عليهم فنشأت حركةُ الإصلاحِ الديني و النهضة التي حاربت أفكارَ الكنسية وقد مات آلاف البشرِ في أُروربا طلباً للحرية

و في عام 1772م أصدرَ رئيسُ البرتغال ماركیز دي بومبال قانوناً يُوقف التفرقة بین النصارى القدامى و الجدد و المسلمین والیهود

و بعد الاكتشاف العظیم الذي قام به الرحّالة الإیطالي كولومبوس لأرض الأحلام (أمریكا) عام 1492م كانت دول أوروبا (وخصوصاً اسبانیا) تُرسل الرحلاتِ من جنودٍ و نبلاء بین عامي 1492م و 1832م إلى هذه البلاد للبناء فیها و احتلالها وقد كانوا يأخذونَ معهم خدمهم

لكنَّ الناسَ بعد اكتشافِ العالمِ الجديد (أمريكا) بدأوا يرونَ أنَّ العالمَ كبيرُ و متّسعٌ و فيه الكثير من ما لا يمكن للإنسان تصوّره بعقله القاصر فصاروا يعترضونَ على العنصرية و العبودية بشكلٍ كبير

بعد تشكيل أول جماعة في ألمانيا مشتقة من كلمة Folks و في القرن 17 ظهرَ مفهومُ القومية و بدأ إنشاء الحركات القومية و الألمانية و تعني جماعة و أصبحَ البشرُ يتجمّعونَ في موقعٍ جغرافيٍ محددٍ و يحاربون بعضهم و يكرهون بعضهم و يقتلون Volks
و يدمرون و يهلكون الحرث والنسل

في بدایة القرن 19 أصبحت البشرُية تُقسم إلى قسمین رئیسین كالتالي

(الأول یتبع سیاسة التفریق العنصري (أي يؤمن بأحقية عرق أو طبقة اجتماعیة معینة فقط دون سواها
الثاني يتبع الفكر الماركسي (أي يؤمن بوجود حقوقٍ للبشر جميعاً و حريات و مساواة و عدالة)

وبدءَ ظهورُ علماءِ السياسة و علم النفس و علم الاجتماعِ و أصبحوا يتفننون بتفسير سبب وجود الشعور العنصري لدى الإنسان و نُشرت الكثير من النظريات والفرضيات لتفسير ذلك ومنها -مثلاً- أنَّ الإنسان يشعر بنشوة الإنتصار عندما يستعبد أحدهم و يستقوي عليه أو يحكمه كغريزةٍ حيوانيةٍ موجودةٍ لديه لكنَّ عقله الواعي يتحكّم بها و يخفف منها في العادة فلا يقتتل البشر على الدوام

ثانیاً: مُحاربة العنصریة

في بدایة القرن 19 قام روبرت فینلي بإنشاء جمعیة الاستعمار الأمریكیة بهدف تخلیص أي أفریقيٍ من العبودیة و قام بإنشاء جمهوریة لیبیریا بحیث یضمن لهؤلاء البشر حقوقهم في العیش بأمان و منعِ الإتّجار بهم و إعطائهم ما یلزم للعیش الكریم

لكن في نهایة القرن 19 و بدایات القرن 20 وخاصةً بعد الحرب الأهلیة الأمریكیة (1865م – 1861م) -والتي كان أحدُ أهمِّ حيثُ كانَ المُزارعونَ من ذوي البشرة البيضاء في الولايات الجنوبيةWhitecappingأسبابها هو العنصرية- ظهر ما يُعرفُ بالـ
يُهاجمونَ و يضربون و يقتلون المزارعينَ من ذوي البشرة السوداء و قد أعلنت الولایات جمیعها أن هذا تصرّفٌ خاطئٌ و يعاقبُ عليه القانون

و في بدایة القرن 20 و تحدیدًا في 5 آذار عام 1933م استلم أدولف هتلر الحكم في ألمانیا و توسّع في الأراضي الألمانیة مؤمناً أنَّ و كان يقتل أيِّ شخصٍ غيرِ ألماني و قام بتقسيم البشر حسب أسلافهم إلى ذوي الدم الألماني الصافي Master Raceالألمان هم الـ
بفكرة أنه الألمان هم الـ) (Master و ما دون ذلك و من الجديرِ بالذكرِ هُنا أنَّ هذا الإنسان كان الأكثر سوءً حتّى زمانه إذ قتل 2.5 مليون يهودي و 0.5 مليون صربي في مذبحة الهولو كوست الشهيرة بعد الحرب العالمية الثانية

و أخذ الألمانيون من الأميركيين فكرة قانون منع تزاوج الأجناس و وضعوا قانون نورمبرغ الشهير في 15 أيلول عام 1935م و الذي يمنع توطين اليهود في ألمانيا و يمنع إقامة علاقاتٍ جنسية معهم حتى لا يتكاثروا

و قد كانت ألمانيا تتوسعُ باتجاهِ الشرق أمّا أمريكا فتتوسع باتجاه الغرب و في عام 1954م بدأت حركةُ الحقوقِ المدنية و استمرّت حتى إصدارِ قانون الحقوق المدنية الأمريكي عام 1964م و الذي ينص على مساواةِ جميع المواطنين الأمريكيين في الحقوق والواجباتِ بغضِّ النظر عن عرقهم و لا يزالُ ساري المفعول حتى هذه اللحظة

ثالثاً: رأي الدیانات في العنصریة

:أ. الإسلام

لقد وردَ في القرآن الكريم في سورة الحجرات الآیة رقم 13

(يا أيُّها الناسُ إنَّا خلقناكم من ذكرٍ و أُنثى و جعلناكم شعوباً و قبائلَ لتعارفوا إنَّ أكرمهم عند اللهِ أتقاكم إنَّ الله عليمٌ خبير)

:ب. النصرانية

لقد ورد في الكتاب المقدس في سفر أعمال الرسل الإصحاح رقم 17 الآية رقم 26

(وصنعَ من دمٍ واحدٍ كُلَّ أمّةِ الناس يسكنون على كلِّ وجهِ الأرضِ و حتم بالأوقاتِ المعينةِ وبالحدودِ مسكنهم)

ختاماً: رأيي الشخصي

إنَّ ما يراهُ الإنسان من كائنات يحمل جميعهُ نفس مصدر الطاقة (الروح) و هذا المصدرُ هو االله سبحانه وتعالى و الإنسان تحدیداً مهما كان طوله أو عرضه أو شكله أو عِرقه أو لون بشرته أو جنسه مخلوق من طین فلا یجوزُ بالمطلق من منطق بشري أو دیني
أن یتم التعامل معه بأسلوب غیر محترم فقط لمجرّد أنه یختلف عنكَ خارجیاً

و عليه فوجبَ على المحتَرِم الإحترامُ مهما كان خارجه و مهما كان داخلك

^^ شكراً لقراءتك

Published by Butterfly Effect

بينَ الشعرِ والنَثرِ أُدوّن

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s