تقسيمُ الدولِ العربية

(أولاً: جغرافیا بلاد العرب في الحرب العالمیة الأُولى (تمّوز 1914م – شباط 1918م

في عامِ 1916م كانت كل المنطقة العربیة تُسمّى جزیرة العرب و كانت تحت حكم الشریف الحسین و كانت الدولة العثمانیة تحكم باقي المنطقة الشمالیة (ثلاث أرباع سوریا الحالیة، أغلب الشمال الغربي من مِصْر) و تمتد جنوباً على حدود مكّة المُكرّمة والمدینة المنورة حتى بحر العرب وتمتد غرباً حتى حدود ما يُسمّى المغرب حالياً

ثانیاً: الثورة العربیة الكبرى

في عام 1916م كانت داخلیة الدولة العثمانیة ضعیفةً بسبب تعدد الخیانات و دخول بعض أعضاء حزب الإتحاد والترقّي في مفاصل الدولة الداخلیة و الاتساع الكبیر لها لكن كانت مُحافظة على قوتها العسكریة نتيجةً للتدريب العسكري القوي الذي كان يخضع له أفراد الجيش العثماني

في تلك الفترة كانت باقي مِصْر واقعةٌ تحت الحكم البریطاني بوصایة السیر ماكماهون وكان هو قائدة السياسة في تلك المنطقة -بما فيها المنطقة العربية الواقعة تحت حكم الشريف الحسين-. و قد كان الشريفُ الحسين شخصاً قوياً جداً من الناحية السياسية و العسكرية و قائداً ذكياً فعلاً للجيوش من القبائل المُلتّفة حوله مِنْ مَنْ أعطاهُ البيعة و أطاعَ أمره فأرسل له السير ماكماهون رسائل معنى مضمونها أنَّ الدولة العثمانية -الحليفة لألمانيا- بدأت تزداد فيها سياسة التتريك و يريدون إلغاء اللغة العربية و الدين الإسلامي و لا أعلمُ سبباً يجعلُ العرب ذوي التاريخ المعروف والبطولاتِ المشهودة يجعلهم يتركون العثمانيين يحكمونهم وقد عُرف عنهم شدةَ البأس في البيداء قديماً و أُرسل فيهم النبي محمد و كانوا أول الأنصار لديانة الإسلام الخالدة و لديكم من القادة من يقدر بذكائه على حكم العالم و عليه فإنني أقترح عليكم مساعدتنا في القضاء على الدولة العثمانية و سنساعدكم بسلاحٍ بريطاني و عليكم تدريب الجيوش وتنظيمهم و بعد القضاء على هذه الدولة -الغاشمة- سنمنحكم دولةً عربيةً موحّدة لغتها العربية و دينها الإسلام و دستورها القرآن الكريم. و قد كان هذا الكلام بما يُعرف تاريخياً بمراسلات الحسين-ماكمهون و هي عبارةٌ عن 10 رسائل. بتقدر تكتب على جوجل

وَ عليها تم الإتفاق على بدء الثورة العربیة الكبرى في 10حزیران 1916م و أصبحت الدولة العثمانية بين المطرقة (بريطانيا) من الأعلى و السندان (العرب) من الأسفل و أسفرت الحرب العالمية عن هزيمة الدولة العثمانية و ألمانيا و حلفائهما و انتصار بريطانيا و أمريكا و حلفائهما

ثانیاً: صِراعُ أبناءِ العُمومة

بعدَ سقوط الدولة العثمانیة و تأسيس الدولة العربية الموحّدة -كما وعد ماكماهون- قام الشریف حسین بإرسال الكثیر من المطالب الحقوقية إلى بريطانيا و هذا جعلهم یبتعدوا عنه ویخففوا دعمهم له بطریقة دبلوماسیة ( أي غیر ملحوظة) و قد كان الشريف الحسين في الوقت نفسه يحاول التوسُّع في أرض الحِجاز التي كانت تحوي الكثیر من القبائل الرافضة للوصایة البریطانیة ومن هذه الجماعات جماعةٌ تؤمن بما یُعرف بالدولة السعودیة الأولى و أنَّ قبیلة آل سعود لا بد أن يحكموا أرض الحجاز و تصبح لهم وصاية بيت الله الحرام و سقاية كُل حاج بدلاً مِنَ الشريف الحسين و كانت هذه القبائلُ تأخذ أفكارها و تُدعم مبادئها من عبدالعزيز آل سعود وهو أحد أبناء عمومة الشريف الحسين

و كان هناكَ شخصٌ يُدعى خالد بن لؤي الهاشمي وهو أمیر أو والي الشریف الحسین على منطقة الخرمة قام بإرسالِ خبرٍ إلى عبدالعزیز آل سعود بأنَّ الشریف حسین سيأتي إلى الخرمة و يطرد زعاماتها و رؤوس القبائل فيها و يعلنُ أنّها تحت حكمه وحده فقط و في هذا الوقت كان عبد العزيز آل سعود يخطط للانقلاب على ابن عمه و كسر شوكته في الحجاز -بمساعدة بريطانيا- و ينتظرُ الفرصة المناسبة للقيام بذلك حيثُ كانَ لا ينصحُ ابن عمه و يتركُ الرأي العام يصبحُ ضده و زادَ كُره الناس له. وفي ما يُعرف بمعركة الخرمة عام 1917م تمت هزيمة الشريف الحسين على يد ابن عمه عبد العزيز آل سعود بمساعدة بريطانيا التي كانت قد قللت من دعم الشريف الحسين و زادت من دعم عبدالعزيز آل سعود بشروطٍ كثيرة عليه و قد وافق عليها فقط من أجل الحكم -التفاصيل كثيرة و مذكورة بالتاريخ بالطبع- من هنا بدأت عملية تأسيس ما يُعرف بالدولة السعودية الحديثة

ثالثاً: تقسیم الدول العربیة

في 9 أیّار 1916م وقّع الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بیكو مقرحاً يُعرفُ حالياً باتفاقیة سایكس-بیكو الشهیرة التي تتضمن تفاصیل تقسیم دول الهلال الخصیب -مصطلح جغرافي أطلقه عالم الآثار الأمریكي جیمس هنري برستد على حوض نهري دجلة والفرات، والجزء الساحلي من بلاد الشام- وفي 16 أیّار 1916م وقّع العقید سیر مارك سایكس موافِقاً على هذا المُقترح و تفاصيله عليه تمَّ تقسیم الدول العربیة و وضع حدود لها وتقاسم السیادة البریطانیة والفرنسیة فیها جمیعاً بمباركةٍ روسية

في 2 تشرین الثاني عام 1917م أرسل وزیر خارجیّة بریطانیا بلفور إلى اللورد لیونیل دي روتشیلد -أحد أبرز أوجه المجتمع الیهودي البریطاني- رسالة شهیرة معروفة بوعد ِبلفور نصها معروف واعدًا إیّاه بتأسیس وطن قومي للیهود في فلسطین بعينِ العطف

و في 22 شباط 1917م أرسل العقید السیر مارك سایكس رسالة إلى السیر ماكماهون في مِصْر فيها 4 نماذج یقترح أن تكون أعلام الإمارات العربیة اللي سیتم إنشاءها وتقسیمها بعون االله تعالى و في آخر الرسالة قال له حرفياً “أرجو أن تغفر لي هذه الخربشة السریعة لأنني لم أكن أملك سوى 25 دقیقة لإنجازالرسالة مع الرسوم” و هذه الرسوم طبعاً هي أعلامُ البلاد العربية التي يُتغنّى بها من المحيط إلى الخليج و هذه الرسالة لها نسختین موجودتين في الأرشیف الوطني البریطاني و في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أُكسفورد و وقال عنها الأستاذ ألبرت الحوراني مؤسس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أُكسفورد : “إنّ الجدال حول تفسير هذه الاتفاقيّات أمرٌ من المستحيل أن ينتهي لأن المقصود منها كان يحمل أكثر من معنى” و عليه فإننا يُمكن أن نقول بأنَّ الرسائلَ جميعها تُرسلُ بعد أوامر من مصدرٍ واحدٍ يتم إصدارها للمُرسِل و المُرسل إليه كي يفهما المُرادَ منها وحدهما و لا أحد سواهما و من الجديرِ بالذكرِ هُنا أنَّ فلسطين كانت بموجب الاتفاقية واقعةً تحتَ الوِصاية البريطانية

و بعد أن تمّت الموافقة على الرسوم تم أقتباسُ ألوانها من بیتِ شعرٍ للشاعر العراقي صَفِيُّ الدین الحلي یقول فیه “بيضٌ صنائعُنَا، سودٌ وقائعُنا … خُضرٌ مرابعُنا، حُمرٌ مواضينا” ومنه كان الآتي

“الأبیض: شعار الدولة الأُمویّة التي فتحت البلاد ونشرت العلم “خیر صنائع

الأسود: شعار الدولة العباسیة التي واصلت الفتوحات ونصرت الإسلام و أعزّت الموقف
الدولي له في كثیر من الوقائع

الأخضر: شعار الدولة العلویة التي استقرت في بواحة تافیلالت في دولة المغرب وكانت تشتهر بالزراعة والكثیر من الخضرة في المزارع و مرابع

الأحمر: رمز للدماء التي سُفكت في كل التاریخ العربي والإسلامي مطالبةً بنشر الإسلام و تحریر الأوطان و القضاء على الفِتن

رابعاً: إعطاء فلسطین للیهود

في عام 1896م قامَ ثیودور هرتزل بتأسیس الحركة الصهیونیة اللي طرحت مسودّة أهدافها في المؤتمر الصهیوني الأول عام 1897م و التي من ضمن نصّها ” تهدفُ الصهيونية إلى إنشاء وطنٍ للشعبِ اليهودي في فلسطين مكفولاً بشكلٍ علني و قانوني” وذلك لأنَّ اليهود في كُلّ دول العالم عموماً و في بريطانيا خصوصاً كانوا أقلّيات و يتم اضطهادهم و قتلهم و تشريدهم و يذكرُ التاريخُ حرقَ هتلر لهم في الهولوكوست فهذا يُحتّم على المجتمع الدولي النظر بعينِ العطف في شؤونهم لأنهم بشرٌ لهم حقوقٌ ومن هذه الحقوقِ أن يكون لهم دولة يعيشون فيها دون اضطهادِ و خوف. و بالطبع البرلمان البريطاني رفض استخدام لفظ “دولة” و استبدلها بلفظ “وطن قومي” احتراماً للدولة الفلسطينية ذات السيادة العربية و لم تكن فلسطين هي الخيار الوحيد وقتها لهذا الـ”وطن القومي” و إنما كانت الخيارات كما يلي

أ. عام 1903م اقترح هرتزل في المؤتمر الصهیوني السادس يكون هذا الوطن القومي في أوغندا

ب. اقترح أن يكون هذا الوطن القومي في روسیا لكنَّ روسیا عالجت المسألة بإنشائها
منطقة حكم ذاتي للیهود في الشرق الأقصى الروسي في عام 1934م

جـ. اختارت الصهيونية منطقة كیمبرلي في أسترالیا، ولكنَّ حكومة كورتین

د. اختارت الصهيونية جزيرة تسمانیا الأسترالیة بدعمٍ من رئیس الوزراء روبرت كوسغروف لكنَّه توفّي في عام 1942م و فرحتهم لم تتم

فبقي على هرتزل أن يُقنع البرلمان البريطاني بفلسطين فقال لهم بما معناه وليس حرفيته أنّ هذه الدولة كانت لأجدادنا اليهود و فيها عاش بني اسرائيل منذ زمن موسى و عاش فيها داوود و سليمان عليهما السلام و فيها قصر النبي سليمان ملك الأرض في زمانه و كل ذلك مذكورٌ في سِفر الملوكِ الأول في التوراة و عليه فهي أرضٌ اليهود حسب التاريخ والدين اليهوديين. و رغم محاولة البرلمان البريطاني بالدفاع عن هذه الأرض بأنَّ فيها شعوباً و حضاراتٍ منذ قديم الزمان و حالياً هي تحت حكم الملك عبدالله الأول قال لهم بأنَّها منطقة نفوذٍ بريطاني و تستطيع الدولة البريطانية -كصاحبة نفوذ- إعطاءها لمن تريد

فقامت بريطانيا بإرسال رسالةٍ للملك عبدالله الأول بأنَّنا نُريدُ إعطاء فلسطين لليهود و بالطبع رفض الملكُ عبدالله الأول ذلك رفضاً قاطعاً لا نقاش فيه فأصبحت الصهيونية تُرسلُ بعثاتٍ يهودية محملة بالأموال كي يشتروا أراضٍ من أهل فلسطين و يبنوا البيوت فوقها و كانت الصهيونية تزيدُ من المال كلما زادت الأطفال في الأسرة فزاد عددهم وتوسّع مستقرهم في فلسطين

و في 15 أيّا عام 1948م أُعلنت فلسطين وطناً قومياً لليهود و تم إعلان حق العودة لليهود في الكنيست عام 5 تموز عام 1950م و ينص على أنَّ لكل يهود الحق في القدوم إلى هذا البلد باعتباره “الأحق” فيه

و قد كانَ الملكُ عبدالله الأول مناضلاً و غيرُ معترفٍ بهذا “الوطن القومي” و كان يُصلّي الجُمعة كل أسبوع في المسجد الأقصى لإثبات أنّه حقٌ للفلسطينيين والعرب

و في 20 تمّوز عام 1951م كانَ الملكُ عبدالله الأول و حفيده الحسين بن طلال في المسجد الأقصى و قامَ شخصٌ يُدعى مصطفى شكري عشي والذي يعمل خيّاطاً في القدس باغتياله بثلاث رصاصات على الرأس والصدر و قد أصابت طلقةٌ الأمير الحسين بن طلال و لكنّ قلادة معدنيةً كان قد هداها إياهُ جدّه قد حمته منها

بعدها تسلّم الملك طلال بن عبدالله الأول الحكم عندما كان يتعالج في جينيف إذ كان يُعاني من نوباتِ الفُصام

و في هذه الأثناءِ كلِّها كانت بریطانیا تتحكم بكل الموازین -ما لم یقم أحد بردعها و إذا قام بذلك يشترون من المتآمرين ما يلزم لاغتياله و إقصائهِ من المشهد بطريقة معينة و إلى هُنا أقفُ عن الكلام لأنَّ التالي من التاريخ قد لا يكون آمناً على ذاكره ولا قارئه ولا غيرهما

^^ شكراً لقراءتك

© Butterflyeffect.club , All Rights Reserved

Published by Butterfly Effect

بينَ الشعرِ والنَثرِ أُدوّن

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s